نذير حمدان
14
حكمة القرآن والحضارة
وينقل عن أبي بكر بن بشرون قوله : والمقدمات التي لهذه الصناعة الكريمة قد ذكرها الأولون ، واقتصّ جميعها أهل الفلسفة من معرفة تكوين المعادن وتخلّق الأحجار والجواهر وطباع البقاع والأماكن ، فمنعنا اشتهارها من ذكرها . . . وهكذا إلى تمام رسالة بن بشرون . ولذا يذكر صاحب اللسان أنه يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم « 1 » . وفي كتب ( الحكمة ) بالمفهوم الصناعي والطبيعي والرياضي يقول ( الخازني ) « 2 » : فإن العدل نظام الفضائل جملة وملاك الخيرات أجمع . لأن الفضيلة التامة هي الحكمة ، وهي في شقّي العلم والعمل وشطري الدّين والدنيا ، علم تام وفعل محكم ، والعدل مجمع بينهما ، وملتقى كماليهما ، به تنال قاصيه كل مجد ، وبسببه يحاز قصب السبق في كل خير ، ولاعتلائه ذروة الكمال عرّف الباري تعالى نفسه إلى خلّص عباده باسم العدل ، وبنوره صار العالم مستوفيا أقسام الكمال والتمام ، ومستوليا على الأمد الأقصى في النظام ، وبعد أن يذكر أهمية ( الميزان ) وصلته بالعدل يبين أن المقصود بالحكمة : دقة الوزن ، وصحة الفلز من المغشوش ووزنه ، وجواهر الشيء الموزون وبخاصة الأحجار الكريمة كالياقوت والزمرد واللؤلؤ ، ثم البراهين الهندسية وبيان العلل الطبيعية ، وقبل هذا وذاك وضع ميزان الماء وأسماء المتكلمين فيه وطبقاتهم . . . مقتبسا من كتاب مانالاوس إلى ذو ماطيانوس . . . الحكمة هي الأشمل والأخصّ معا : فهي الأقوال الوجيزة النافعة ، والعلوم الحكمية المتعددة سواء لفظ فيها بالحكمة صراحة أو لم يلفظ ، بل الغالب أن تتجرد منها لفظا وتشتمل عليها معنى ودلالة . وعلى هذا فإن تعاليم الأنبياء هي حكمتهم ، ونشاطات الفلاسفة الذهنية المفيدة هي حكمتهم ، كما أن حكمتهم المبثوثة في أعمالهم وأقوالهم هي فلسفتهم ، ومن ينطق بالحكمة من الحكماء والفلاسفة فهو
--> ( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة 4 / 118 ت د / علي عبد الواحد وافي ، ويلاحظ أن ابن خلدون عقد بعد ( علم الكيمياء ) فصل : إبطال الفلسفة وفساد منتحليها . ( 2 ) هو أبو الحسن الخازني من رجال القرن السادس الهجري في كتابه : ميزان الحكمة ( المقدمة ) ط حيدرآباد الدكن 1359 ه .